محمد هادي معرفة

283

شبهات وردود حول القرآن الكريم

أمّا سورة عبس فهي الرابعة والعشرون . جاء في أسباب النزول : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله كان يناجي عتبة بن ربيعة وأبا جهل بن هشام والعبّاس بن عبد المطّلب وابيّا واميّة ابني خلف يدعوهم إلى اللّه ويرجو إسلامهم . وفي هذه الحال جاءه عبد اللّه ابن أمّ مكتوم « 1 » ونادى : يا رسول اللّه ، أقرئني وعلّمني ممّا علّمك اللّه ، فجعل يناديه ويكرّر النداء ، ولا يعلم أنّه مشتغل ومقبل على غيره ، حتّى ظهرت آثار الكراهة على وجه رسول اللّه ، لقطعه كلامه ! قالوا : وقال في نفسه : يقول هؤلاء الصناديد : إنّما أتباعه العميان والعبيد ، فأعرض عنه وأقبل على القوم الّذين كان يكلّمهم ، فنزلت الآيات . وكان رسول اللّه بعد ذلك يكرمه ويقول إذا رآه : مرحبا بمن عاتبني فيه ربّي . واستخلفه على المدينة مرّتين . « 2 » قال الشريف المرتضى : ليس في ظاهر الآية دلالة على توجّهها إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بل هو خبر محض لم يصرّح بالمخبر عنه ، وفيها ما يدلّ على أنّ المعنيّ بها غيره ، لأنّ العبوس ليس من صفات النبيّ مع الأعداء المنابذين فضلا عن المؤمنين المسترشدين . ثمّ الوصف بأنّه يتصدّى للأغنياء ويتلهّى عن الفقراء لا يشبه أخلاقه الكريمة . وقد قال تعالى في وصفه : وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ . « 3 » وقال : وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ . « 4 » فالظاهر أنّ قوله عَبَسَ وَتَوَلَّى « 5 » المراد به غيره . « 6 » وهكذا ورد قوله تعالى : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ . « 7 » وقوله : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ

--> ( 1 ) هو : عمرو بن قيس بن زائدة بن الأصمّ القرشي . قيل : انّ اسمه الحصين ، سمّاه النبيّ عبد اللّه . قال ابن حيان : كان أهل المدينة يقولون : اسمه عبد اللّه ، وأهل العراق يقولون : اسمه عمرو . قال ابن خالويه : كان أبوه يكنّى أبا السرج ( على ما ذكره الشيخ في تفسير التبيان ، ج 10 ، ص 268 ) . وكان مؤذّنا للنبي صلّى اللّه عليه وآله بعد هجرته من مكّة . واسم أمّه عاتكة بنت عبد اللّه بن عنكثة . وهو ( ابن أمّ مكتوم ) ابن خال خديجة أمّ المؤمنين عليها السّلام ، فإن أمّ خديجة أخت قيس بن زائدة واسمها فاطمة . أسلم في السابقين إلى الإسلام بمكّة وكان من المهاجرين الأوّلين ، قيل : قدم المدينة قبل النبيّ ، وقيل : بعده بقليل ، ومات في أيّام عمر ، وقيل : استشهد بالقادسية . راجع : الإصابة لابن حجر ، ج 2 ، ص 523 . ( 2 ) مجمع البيان ، ج 10 ، ص 437 . ( 3 ) القلم 68 : 4 . ( 4 ) آل عمران 3 : 159 . ( 5 ) عبس 80 : 1 . ( 6 ) تنزيه الأنبياء للسيّد المرتضى ، ص 118 - 119 بتلخيص يسير . ( 7 ) الحجر 15 : 88 . مكّية ، رقم نزولها : 54 .